اسماعيل بن محمد القونوي

171

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

التأكيدات كاشتمالها ما قبله وفي كلامه مع النظم لف ونشر مرتب فالرد لتسفيههم المؤمنين ناظر إلى قوله تعالى : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ [ البقرة : 13 ] والمبالغة في التجهيل ناظر إلى قوله تعالى : وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ [ البقرة : 13 ] وإشارة إلى أن قوله تعالى : وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ [ البقرة : 13 ] ليس عذرا لهم مثل قوله تعالى في قصة يوسف عليه السّلام : قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ [ يوسف : 89 ] فإنه عذر لهم وهنا ليس كذلك بل لبيان أن جهلهم جهل مركب لا يرجى زواله إلا بتوفيق من اللّه تعالى كما أشار إليه بقوله فإن الجاهل الخ . ووجهه أن لا يعلمون نزل هنا منزلة اللازم للمبالغة ولذلك لم ينبه المصنف على المفعول المحذوف لما ذكرنا ثم إنه جعل حال كونه مطلقا كناية عن ذلك الفعل حال كونه متعلقا بمفعول مخصوص دلت عليه قرينة وهو كونهم السفهاء فالجهل بالسفه الذي هو جهل جهل مركب كأنه قيل ألا إنهم هم الجهلاء ولكن لا يعلمون أنهم جهلاء وفيه مبالغة عظيمة في إثبات الجهل المركب ولو قدر المفعول على معنى أنهم لا يعلمون أنهم هم السفهاء لفاتت تلك المبالغة وأما ما قيل من أن معناه لا يعلمون ما يحل بهم العذاب لأجل السفه في الآخرة فهو في نفسه معنى لطيف لكن لا يناسب مقام التوبيخ ولا يلائم تقرير المصنف أصلا . قوله : ( فإن الجاهل بجهله ) الباء متعلق بالجاهل وقيل بجهلة صفة الجاهل ولا يعرف له وجه ( الجازم ) صفة الجاهل ( على خلاف ما هو الواقع ) وهو جزمهم بأن المؤمنين لأجل إيمانهم الخالص سفهاء وهذا خلاف الواقع وكون هذا جزما مستفاد من إصرارهم وعدم تنصحهم بالنصح فلا ريب أنهم جازمون به فلا إشكال بأن عدم العلم بالجهل محتمل للتحقق في ضمن عدم العلم بشيء من النقيضين وفي ضمن الجزم بمقتضى الجهل . قوله : ( أعظم ضلالة وأتم جهالة ) فإنه لظنه أنه كمال لا يروم زواله بل يطلب دوامه فلا يرجى فلاحه ( من المتوقف ) أي المتوقف عن التصديق بأحد الطرفين المتردد بينهما ( المعترف ) مع الاعتراف ( بجهله فإنه ربما يعذر وتنفعه الآيات والنذر ) فإنه وإن كان في ضلالة أيضا لكنه ليس في مرتبة الجهل المركب أما أولا فلأنه قد يكون بعض من أفراده معذورا كمن أسلم في دار الحرب أو نشأ في بادية أو على رأس شاهق الجبل فإنه معذور لاعترافه بجهله مع عدم تمكن إزالته لعدم وصول الدعوة وأما ثانيا : فلأنه ينفعه الآيات والنذر إن بلغت إليه أو من نشأ في العمران وابتلي بالخسران مع علمه بأنه في جهالة الحكم عليهم بالجهل المركب فإن التسجيل عليهم بالسفاهة نفيا للعلم عليه إثبات للجهل ثم حكم عليهم بأنهم يجهلون جهلهم فإن معنى لا يعلمون لا يعلمون أنهم هم السفهاء فكأنه قيل ألا إنهم هم الجهلاء ولكن لا يعلمون أنهم جهلاء وقد أشار إليه بقوله فإن الجاهل الخ . قوله : فإنه ربما يعذر أي فإن الجاهل المتوقف المعترف بجهله ربما يكون معذورا في جهله وينفعه النصح والموعظة بالآيات والإنذارات لكونه مستعدا لقبول الحق بخلاف الجاهل الجازم بما هو خلاف الواقع فإن جزمه بذلك يدفع قبول ما هو الحق ويحجبه عنه .